يسعد أوقاتكم
حين تجد الله، لا تعود تبحث عن نفسك في الآخرين
في الحديث النبوي
«مَن تقرَّبَ إليَّ شِبرًا تقرَّبتُ إليه ذراعًا، ومَن تقرَّبَ إليَّ ذراعًا تقرَّبتُ إليه باعًا، ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولة».
تأمّل هذا المعنى العميق
كم مرة تعلّقنا بإنسان، وظنّينا أن سرّ سعادتنا موجود فيه؟ وكم مرة خفنا من فقدان أحد، وكأننا بفقدانه راح نفقد شيئاً من أرواحنا؟
لكن هل فكّرنا يوماً أن تعلّقنا بالآخرين قد يكون في جوهره تعلّقاً بشيء من أنفسنا نراه منعكساً فيهم؟
نحن ننجذب أحياناً إلى صفات نحبها، أو جمال نبحث عنه، أو نور نشعر أنه يلامس شيئاً بداخلنا. فنظن أن هذا النور ملكٌ لذلك الشخص، بينما قد يكون ما أحببناه فيه هو شيء أيقظ فينا معنى كان موجوداً ولم ننتبه إليه
وهنا تبدأ رحلة العودة إلى الذات
في الطريق إلى الله، يتعلّم الإنسان أن لا يجعل قلبه أسيراً للمظاهر، ولا يطلب من المخلوق ما لا يملكه إلا الخالق
قال تعالى:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: 4].
فكلما ازداد حضور الله في قلبك، قلّت حاجتك إلى أن تبحث عن حضورك في الآخرين
وهذا لا يعني أن تتوقف عن الحب، بل أن تنتقل من حبٍّ يخاف الفقد إلى حبٍّ يعرف الحرية، ومن تعلّق يريد الامتلاك إلى محبة نقية لا تحدها المسافات أو الوجود المادي في الواقع
ومن منظور بعض المدارس الروحانية، لكل حالة داخلية أثر في طريقة تفاعلنا مع العالم. ويمكن التعبير عن ذلك بلغة الذبذبات: فالخوف والاحتياج يختلفان عن المحبة والسكينة والامتنان في طبيعة حالتنا الشعورية
وكلما ارتقى الإنسان في وعيه واتصاله بالله، بدأ يتحرر من الاهتزازات المرتبطة بالخوف والنقص، ويتجه نحو حالة أعمق من المحبة والتسليم
فالقلب الذي عرف طريقه إلى الله لا يتوقف عن الحب، لكنه يتوقف عن استجداء الحب
لا يتوقف عن الارتباط، لكنه لا يجعل ارتباطه قيداً لروحه
ولا يخاف من غياب الآخرين كما كان يخاف سابقاً؛ لأنه بدأ يدرك أن ما يبحث عنه من نور وطمأنينة لا يُختصر بإنسان، ولا يغيب بغيابه
لعلّ أعظم تحرّر هو أن تحبّ كل شيء، دون أن تتعلّق بشيء أكثر من تعلّقك بالله
تأمّل: هل أحببت هذا الإنسان لذاته، أم أحببت النور الذي أيقظه في داخلك؟
وهل تخاف التغيير خوفآ من فقدان الأماكن ومشاعرها
وتذكر أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون
فهل أنت من أولياءه ؟