🍃🍃🍃🍃🍃🍃🍃 في مرحلة من حياتي بدأت أفهم أن التعلّق لا يكون بشخص فقط. قد نتعلّق بعلاقة أحببناها، بعمل منحنا مكانًا وأمانًا وهوية، ببلد يحمل أهلنا وجذورنا وذاكرتنا، أو حتى بصورة قديمة عن أنفسنا نخشى أن نتركها لأننا لا نعرف: من سأكون بعدها؟ أعرف اليوم أن بعض الأشياء التي نتمسّك بها ليست بالضرورة ما نزال نريدها، بل ما نخشاه هو الفراغ الذي قد يتركه رحيلها . وهذا ما جعلني أنظر إلى التعلّق بطريقة مختلفة. أن أحب إنسانًا لا يعني أن أفقد نفسي كي يبقى. وأن أكون ممتنة لعمل أعطاني مكانًا وأمانًا وتجارب كثيرة، لا يعني أن عليّ البقاء فيه إلى الأبد حين أشعر أن روحي بدأت تطلب طريقًا آخر. وأن أحب أرض اجدادي ، بكل ما تحمله من عائلة وذاكرة وجذور، لا يعني أن الأرض الأخرى التي بنيت فيها حياتي أقلّ وطنًا. لقد تعلّمت أن القلب قادر على حمل أكثر من انتماء، وأن الرحيل لا يعني دائمًا التخلّي، وأن اختيار طريق جديد لا يلغي قيمة الطريق الذي أوصلنا إليه. فالجذور لا تختفي لأن الشجرة امتدت نحو سماء أخرى. وربما يكون التشافي أحيانًا أن نسمح لأنفسنا بالنمو، دون أن نشعر أننا نخون ما أحببناه في الطريق. لكن هناك تعلّقًا أكثر خفاءً اكتشفته مع الوقت أن نتعلّق بنتيجة التشافي نفسها. نريد أن نتخلص من آلامنا ومعيقات حياتنا لنصل إلى الحياة التي نطمح إليها، فنضع للتشافي موعدًا: متى سأتشافى؟ متى سأتجاوز؟ لقد تأملت، تطهّرت، وعملت على نفسي… فلماذا ما زلت أشعر بهذا؟ لكن التشافي ليس مشروعًا له موعد انتهاء. ليس بين ليلة وضحاها، ولا بعد تأمل واحد أو جلسة تطهير واحدة، ولا حتى بعد الكثير منها. التأمل والتطهير قد يفتحان لنا أبوابًا، لكن العبور يحتاج أيضًا إلى عمل داخلي مستمر: مراقبة النفس، تهذيبها، رؤية أنماطنا القديمة، ومحاولة اختيار استجابة مختلفة كلما أعادتنا الحياة إلى الجرح نفسه. وأحيانًا، بدل أن أسأل نفسي: لماذا لم أتشفَّ بعد؟ أعود وأسأل: كيف كنت قبل سنة؟ وكيف كنت قبل خمس سنوات؟ كيف كنت أتعامل مع المواقف نفسها؟ وما الذي لم أكن أستطيع تقبّله آنذاك وأصبح اليوم أكثر سلامًا في داخلي؟ وهنا أكتشف أن التشافي كان يحدث طوال الوقت… يتسلّل ببطء إلى أرواحنا، إلى سلوكنا، إلى ردود أفعالنا، إلى حدودنا، وإلى قدرتنا على تقبّل ما لم نكن نستطيع تقبّله من قبل. كخيوط من حرير تُنسج بهدوء في داخلنا، خيطًا بعد خيط… كلما وثقنا بالطريق.